ورثة شعرة معاوية
لن أتحدث عن مشاعر و ثرثرات شخصية و أكون ذاتية متقوقعة فضائية أنانية كما اعتدت أن أكون… فهناك أمر حقيقي يحدث على الأرض… هناك شيء ما يتحرك… ربما لا أدري ما هو… و ربما لا أحد يدري بعد ما هو… و لكن حتما هناك شيء ما يتحرك… في هذا المكان الذي كنت أعتبره مبعدا عن كل حساب بشري، و ربما ملعونا من الحضور السماوي، بل لكأن الزمن قد لفظه خارجه فتوقفت عقارب ساعاته أبدا… أحياء ما كنت أحسب لهم وجود قد انبعثوا من مرقدهم… و شهقوا حياة… و وحوش كانت تترصد في مرابضها قد استشرست… و زفروا موتا… و شيء ما بدأ يظهر على السطح… لا أدري ما هو… و لكن هناك شيء ما… والمياه الراكدة حين تتحرك فجأة فإن لونها يتعكر و تزغلل النظر…
و لا في أكثر أحلامي شططا تخيلت أن يكون كل ما هو كائن…
ربما يحتاج المرء للطمة و صدمة تخرجه من ذاتيته و تعيده للواقع، للمجموع… حيث يصير لـ “هنا” معنى جديدا لم يستشعره قبلا… و الـ “أنا” تتذوق معنى الـ “نحن”… و القدمان تبيتان تشعران بالأرض التي تطآنها… و المخلوق الفضائي الأخضر يعود من رحلته البعيدة و يتورد و يستأنس… و الجدران و الشوراع و الوجوه التي ألفها فملّها و تبرم منها حتى نسيها، تنفخ فيها الروح ثانية…
فكيف بعد هذا كله آتي و بكل صفاقة و أنانية أحدثكم عن شعور شخصي أو ثرثرة عابرة أو عن ثقلي و حدبتي و أفكاري الغريبة و بلاهتي اللامنتهية الخ الخ الخ
بيد أني حقيقة لا أتقن الحديث في مثل هذه الأوضاع و لا أنا متكلمة مفوهة في وقت الأزمات و لا أنا محللة نافذة البصيرة فأهرف بما لا أعرف، ككثير من العلاكين الذين يملأون النت و الفضائيات و يصدعون رؤوسنا… فها أنا أوفر عليكم علاكة أخرى و أمسك عن هذا الكلام… و لكن كل ما أود ذكره من كل ما يجري هو مدح صغير!!! نعم أنا سلمى أمدح!!! سلمى دائمة التشكي و التذمر و الانتقاد تريد أن تمدح!!!
أريد أن أمدح جوهر الرقي و التحضر و الوعي و التمدن الذي كشفته الأحداث في نفوس الكثير من الناس… جوهر أصيل من الرقي و التحضر و الوعي حقيقة… جوهر كان مدفونا و غائرا لا يكاد يـُرى، حتى أتت هذه الظروف و أظهرت بريقه للعيان…
بأية حال لو أن لكل شعب ميزة تطبعه عن غيره و يوسم بها، فإني أستطيع ادعاء أن ميزة الشوام هي الدبلوماسية، حتى لكأنهم ورثوا الشعرة من معاوية رضي الله عنه، و ورثوا حرصهم عليها… لذلك تراهم يحاولون جاهدين ألا يقطعوها و لا يفلتوها مهما تكالبت الظروف تشد و تمط فيها محاولة تمزيقها شر ممزق، بل مهما تقرحت أياديهم و تقطعت أصابعهم و هي تمسكها…
عسى الله أن يفرج كربته من عنده على أهون سبب و من حيث لا نحتسب، و يرد عنا الأذى، و يجعل الكيد في نحر من يكيد لنا الشر، و عساه يحفظنا بحفظه و الله خير حافظا و هو أرحم الراحمين… إنه سميع مجيب…
/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
